عباس أرحيلة
تمهيد:
عاشا في أمة مصابة بهزيمة عقلية ونفسية، واجها الفلسفات الوافدة والنحل الهدامة، وناهضا خصوم الإسلام من المتفلسفة والباطنيين، وعرضا في مشروعهما العلمي لمشاكل شائكة، وتناولا قضايا عويصة، وكانت لهما الجرأة المطلوبة في اقتحام المضايق الفكرية. واجْتهدا ما وَسِعهما الاجتهاد، وشُهِد لهما بالعمق الفكري؛ فنالا مكانة مرموقة في عالم الفكر.
أدارا فلسفتَهيْما حول الدين الإسلامي في عمقه الروحي والأخلاقي، وأقاما مشروعهما على صحة الدين وفساد الفلسفة حين يَحيد أهلُها عن الجادة بسبب عجزهم أن يأتوا بما يُضاهَى به غيرُهم.
رفضا إخضاع قوانين القرآن لقوانين الزمان ليكون ملائما لما عليه الزمان من انحراف. ولم يتخذا العلم سبيلا إلى جاه الدنيا، وآثرا بساطة العيش، ووجدا فيها ما تجود به الدنيا من سعادة!
ولمّا رفَضَ طه عبد الرحمن أن يكون رشْديّاً اتَّهَمهم بعضهم بالغزالية؛ لأنهما أرادا “إحياء علوم الدين”، ورميا المتفلسفة بـ”التهافت”!
أولا: ما أشبه اليوم بالبارحة
ما أشبه مطالع القرن الحادي عشر الميلادي ( – 505 هـ/1111م ) بزمان طه عبد الرحمن وهو يعيش في مطالع القرن الواحد والعشرين – 2010 م-.
عاشا في أزمنة عشَّشَ فيها الانحراف عن منهج الله. عاشا في عصر تطحنه التناقضات، وتُستهان فيه المقدسات، وتغتاله فوضى مذهبية، وتتوزّعه خصومات طائفية.
غايتُهما تجميعُ أمة فرَّقتْها الأهواء، وتحريرُها من ذِلَّة الاستسلام، وإعادتها إلى عزة الإسلام.
تفلسفا دفاعاً عن الإسلام، وإن اختلفت طريقة كل منها تبعا لاختلاف المزاج والعصر، واختلاف المنطلقات والتصورات، وأساليب التحليل وآلياته، واختلاف الأنظار وتنوّع المخاطبين.
لا يرفضان الفلسفة حين تكون فكرا حرا مستقلا، وإنما يرفضانها حين تُصبح تقليداً وأوهاماً وتِيهاً، ودعاوى تُستهلَكٌ للتغرير بالمستضعفين. جعلا من وُكدهما الحدّ من صَلَف “العقلانية” حين لا يُسدِّدُها الوحيُ، وتعيش في سديم التجريد.
وحين انصهرتْ تلك “العقلانية” بالإيمان لديهما؛ اتضح أن لا تنافيَ ولا خلافَ ولا تناقضَ بينهما، وأن أساس الفلسفة هو الإيمان، وبقدر ما يعظم الإيمان تعظُم الفلسفة. ولا تعظُم فلسفة بغير إيمان.
فهما فيلسوفان يدعوان أهل النظر إلى التحرر من التبعية لغيرهم، ويرفضان الجمود الفكري، ويُحفِّزان الهمم إلى التشبث بالقيم؛ التي لا تتحقق الأصالةُ الفكرية بغيرها.
وكان لهما جَلَدٌ على البحث في قضايا المعرفة ورغبة في الوصول إلى الحقيقة. وسعى كل منهما أن يستقل بتفكيره، ويكون قويّ الحُجّة، قويّ البيان.
وتعلُّقُهما بالحق جرَّ عليهما حسد الحسّاد!
وها هو العالم الإسلامي اليوم يعيش تحت وطأة الفكر الغربي بكل عنجهيته “المتصهْيِنة” وصلفه وانحرافاته؛ فِكْرٌ اغترَّ بعقلانية تجرَّدتْ عن الوحي، واستلذّتْ التِّيه بعيداً عن منهج الله، فوَجدتْ غرائزها تَتَلَظَّى في حمأة الشهوات…
ثانيا: مواجهتُهما لـمُقَلِّدة العصر
- شجاعتُهما في المواجهة: يتميز كلٌّ منهما بعقل متمرِّد على أشكال التقليد، وتغمُرُهما ثقة بالنفس عارمة؛ إذْ لهما اعتداد بالفكر لا حدَّ له. لا يتهيب أحدهما خوض المعارك الفكرية: جعل الغزالي مَوْكِبَ متفلسفة العرب عبارة عن مجموعة من الفراشات تتهافت على ما توهَّمَتْه أنوارا؛ فاحترقت. وواجه طه متفلسفة العصر فسفَّهَ أحلامَهم، ورماهم بالعقْم الفكري، واعترض على مناهجهم في قراءتهم للتراث، وسَخِرَ من الطريقة التي تناول بها د. العروي مفاهيمه لإخراج العرب من التخلف، واعتبره نموذجا لمقلِّدة العصر بامتياز؛ فكان عنده أكبر مقلد للفكر الغربي في العصر الحديث، وأعجز من أن يُوَلِّدَ فكرةً واحدة من ذاته، أو يستشكل قضية من واقعه!
يأبى كل من الغزالي و طه أن تُُقيِّدَهُ أغلال التبعية ولو كانت عند غيرهما من ذهب! شعارُهما التحرر مما يزرعه أعداء الدين من أوهام، وكسْر أغلال التبعية لهم؛ فهما لا يرتضيان غير الإبداع سبيلا.
- مناهضتُهما للتفلسف حين يكون تقليداً
جاء كلٌّ في زمانه،« والناس إلى ردِّ فرْيَة الفلاسفة أحوَجُ من الظلماء لمصابيح السماء، وأفقر من الجدباء إلى قطرات الماء» (1)؛ فكان نضالُهما من أجل نُصرة الدين، وكشف الشبهات وفَضْح المُفتريات، وكان ذلك عندهم، بفضل الله تعالى، أيْسَرَ “من شربة ماء”.
تسلحا بأسلحة متفلسفة عصرهما، وزاد عليهم ما به يُحققان استقلالهما الفكر، وإبداع ما يُضاهيان به غيرهما، مع إيقاف زحف الفلسفة حين تصبح تهافتا لا جدوى منه، وحين يكون هَمُّها إخضاع الدين للعقل؛ فأخرجا الفلسفة من “قُمْقُمها”، وجعل المتهافتين عليها بغير يقين يحترقون بأشكال عبثية مُثيرة للسخرية! من هنا نزعا عن الفلسفة هالة “تعظيمها” عند ذويها، ومن تبعهم تقليداً لهم، وامتهاناً لكرامتهم!
واجها الفلسفة التي تهدد الإيمان، وأقاما فلسفة روحُها الإيمان. فكان كل منهما حجة في زمانه على غيره: الغزالي كتب “تهافت الفلاسفة” حين يعيشون في تيه المجرَّدات، و طه جعل أعماله سجلا لتهافت متفلسفة العصر، وعلامات على ارتكاسهم في التقليد، وعجزهم أن تكون لهم كينونة في الكون بين الكائنات الحية، وإن رافقهم التطبيل والتزمير في دنيا التهافت؛ دنيا التسَيُّس والإعلام!
- فضحُهُما للحركات لباطنية
وقف الغزالي في القديم في وجه الحركات الباطنية التي كانت تعمل على هدم القيم الإسلامية، وتشويه مقوِّمات لحضارة لإسلام، ووقف طه عبد الرحمن في وجه ما استبطنَتْه الحداثة الغربية من “باطنيات”، في العصور الحديثة.وإذا كانت الباطنية في القديم تسعى إلى إبعاد تعاليم الإسلام لتحُلَّ محلَّه تعاليمُ الإمام! ورسم خطة من تجربته للإنقاذ من الضلال! فإن الباطنية المستحدثة جعلتْ إمامها الفكر الأوربي الحديث “المُتَهَوِّد”؛ فكشف طه عن زيفها، وكشف عن عورات أهلها، وأصبحت أعمله اليوم صرخات إنقاذ لما أصاب الأمة الإسلامية من بَوار وضياع وخنوع واستسلام.
ثالثا: جمعهما بين المنطق والتصوف
أصبح للتصوف موقع ثابت ووطيد في تاريخ الإسلام باتجاه الإمام الغزالي إليه. وأحبّ طه أن يُعمِّق إيمانه، ويُقرّ بالعبودية لربه.
أرادا أن ينفُذا إلى روح الإيمان، وأن يُثبتا وهما في شدة انغمارهما في روحانية التصوف؛ يحتكمان إلى العقل الذي يُسدِّدُه الوحيُ، وبهذا النظر تناولا فلسفة الدين، ودافعا عن الحقيقة الصوفية. حاول كل منهما ردّ أصل الدين إلى الكشف الذوقي والإيمان العقلي، وكانت حياتهما منسجمة بين القول والفعل. وغياب الفعل لدى أعدائهما جرَّ عليهما شرورا من الأحقاد!
لقد شغلتهما مشكلة اليقين في المعرفة، كما شغلتهما الحقيقة الصوفية.
وكان المنطق – عندهما – هو مقدمة كل علم تحتاج معرفتُه إلى نظر وفحص واستقراء وتتبع، « ومن لا يُحيط به فلا ثقة له بمعلوم أصلا»، كما قال الغزالي في “المستصفى”.
ونشأة طه عبد الرحمن في أسرة صوفية، وحاجته النفسية إلى الطاقة الروحية في إنجاز مشروعه الفلسفي، ورغبته في خلق التوازن بين البرهان العقلي والصدق الإيماني؛ من جملة الأمور التي كانت وراء عيشه في رحاب التصوف؛ حين يكون الصوف حُرْقة إيمانية، يُحقِّق بها العبد فروض عبوديته لله عزّ وجل.
وقد سئل طه يوما هل عاش التجربة الصوفية كما عاشها الغزالي، فقال:« لا يجمعني أنا وإياه إلا خوض غمارها؛ فلم أدخل فيها فارّاً ولا شاكّا كما دخل فيها؛ ذلك أن الغزالي فرّ إلى التصوف اضطرارا، بينما أقبلتُ عليه اختياراً.
وفرارُه كان من اثنين:” فرارٌ من الجاه الذي كان ثَمَنُه المكوث في أحضان الدسائس والمؤامرات والتصارع على السلطة”، و”فرارٌ من الشك الذي يكون قد بقيَ في نفسه بسبب اشتغاله بالفلسفة مدة”، بينما كان إقبالي على التصوف لسبين مخالفيْن تماماً، أولهما: أردتُ أن أُقوّيَ صلتي بالله؛ حبّاً فيه لذاته، لا فراراً من غيره، بل كانت هذه المتعة أكبر من أنشغل بسواها، والسبب الثاني هو أن أتحقق من طبيعة المعاني التي هي فوق طور العقل الفلسفي، هل هي غير عقلية كليا أم أنها عقلية بوجه ما؟»(2).
رابعا: رؤية منهجية وأداء بياني متميز
خصَّهما رب العزة باستعداد خاص، ومكَّنَهما من البحث والنظر بعُمْق منهجي لم يتَأَتَّ إلا للقلة من علماء الإسلام، وجعلهما يستطيلان على متفلسفة عصريْهما بمواهبهما، وقوة حُجِّيتهما. وأدارا جهودهما حول التغيير بطرق منهجية مقنعة وواضحة، وأتيا من المصنفات بما لم يُسبقا إليه، ومما يحمل في طياته صفات الخلود.
غاصا على المعاني، مع الدقة في تقريب دقائقها من الأذهان، ونظم البراهين في عرْضها، والكيفية في تبويب قضاياها، مع مخالفة أساليب الفلاسفة في معالجتها، وتجَنُّب الغموض، والإبهام، والتعقيد في طرحها.
تميّزا بجزالة العبارة حين تكون لها القوة على تطويع المصطلحات النابعة من مجالات المفاهيم، مع نصاعة البيان وأناقة التعبير في لسان العرب، مع مسايرة الفكرة مهما كانت دقيقة إلا أن تُؤَدَّى بيُسر وسهولة وإشراق.
أمّا أسلوبهما فيضعهما في مرتبة كبار الكتاب في تاريخ الثقافة العربية.
هوامش:
(1) طبقات الشافعية: السبكي ( عبد الوهاب بن علي 771 هـ)، تحقيق: عبد الفتاح محمد لحلو – محمود محمد الطَّنَاحي – ط1[ القاهرة، مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1968]:6/193 – ( عبارة قالها تاج الدين السبْكي في ترجمته للغزالي، وهي تصدق على د. طه).
(2) حوارات من أجل المستقبل: د. طه عبد الرحمن – ط1 [ لبنان، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، 2003]، ص130

